السيد محمد تقي المدرسي

350

من هدى القرآن

. والمفعول المطلق « تَمْهِيداً » يفيد التأكيد والمبالغة في الاستغراق . وكانت هذه النعم داعية إلى الشكر والإيمان لكل عاقل وصاحب ضمير حي ، فهي بمثابة عامل يُعَبِّد طريق الهداية للإنسان ويُمَهِّده له لو تفكر وعقل ، ولكن الوليد كان مريض القلب ، ولذلك كان يزداد ضلالا وإصرارا على الكفر بنسبة طردية كلما توالت عليه النعم ، والسبب أن غير المؤمن يقف عند حد الدنيا ، وتسيطر عليه الروح المادية بحيث يصبح جمع حطامها هدفا بذاته ، فإذا به يفكر في الاستزادة بدل العمل على الشكر لصاحب النعمة « ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ » . أما المؤمن فإنه يَتَطَلَّع عند كل نعمة إلى توفيق الشكر وأداء حقها لله وإلى الناس ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله حينما قال في حق طالب الدنيا : مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ طَالِبُ دُنْيَا وطَالِبُ عِلْمٍ فَأَمَّا طَالِبُ الْعِلْمِ فَيَزْدَادُ رِضَا الرَّحْمَنِ وَأَمَّا طَالِبُ الدُّنْيَا فَيَتَمَادَى فِي الطُّغْيَان ] « 1 » بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ لَهُ طَمَعٌ يَقُودُهُ إلى طَبَعٍ ] « 2 » ( أي طبع قلبه بالرين ) ، وصدق الإمام علي عليه السلام إذ قال : أَكْثَرُ مَصَارِعِ الْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ الْمَطَامِعِ ] « 3 » . وإنما أعشى قلب الوليد تقادم الخير عليه وطمعه في زيادته ، وإنه لمكر الله بالمترفين ، الذي يزيدهم ضلالا عن الحق ، وخسارة في الدنيا والآخرة ، فلا يشكر ربه ولا هو يصل إلى غايته ( الزيادة ) لأن توسيع الله على أحد ليس مطلقا أبدا بل له حد وقيد ، وليس خارجا عن سننه وقوانينه في الحياة ، فكيف يزيد من لا يؤدي شكر النعمة وهو القائل : « لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ » [ إبراهيم : 7 ] ؟ ! قال صاحب التبيان : أي لم يشكرني على هذه النعم ، وهو مع ذلك يطمع أن أزيد في إنعامه والتمهيد والتوطئة والتذليل والتسهيل . « كَلَّا » أي لن يكون ذلك أبدا ، فهذه كلمة تفيد النفي القاطع والعنيف ، والسبب هو عناده للآيات الربانية « إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً » ، ومعاندتها يمنع الزيادة لسببين : الأول : السبب الغيبي ، فإنه تعالى يدافع عن رسالاته وآياته ، وينتقم للحق من جاحديه ، بالإهلاك والاستئصال تارة ، وبالقحط وسلب البركة تارة أخرى . الثاني : السبب الظاهر وذلك أن آيات الله هي النهج القويم الذي يهدي الإنسان إلى كل خير مادي ومعنوي ، ويأخذ بيده إلى الرفاه والنمو الاقتصادي لو عمل بها وطَبَّقَها في حياته ، وحيث يعاندها الكفار ومرضى القلوب فكيف يستزيدون ، وكيف تُوَطَّأ لهم سبل العيش ، وتُمَهَّد أسباب السعادة ؟ ! قال المفسرون : ولم يزل في نقصان - يعنون الوليد - بعد قوله : « كَلَّا » حتى

--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 1 ، ص 182 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 74 ، ص 137 . ( 3 ) بحار الأنوار ج 70 ، ص 170 .